حول كلية الآداب
تاريخنا، مهمتنا، رؤيتنا
كلية الآداب والعلوم الإنسانية
تُعدّ كلية الآداب والعلوم الإنسانية ظهر المهراز أول مؤسسة جامعية أُنشئت بمدينة فاس. كما تُعدّ إحدى أعرق المؤسسات الجامعية بالمملكة المغربية بالنظر لما راكمته من تجربة أكاديمية وعلمية رائدة، ولما اضطلعت به من أدوار في تكوين النخب والمثقفين، وفي إنتاج المعرفة، وفي مواكبة التحولات الفكرية والثقافية والاجتماعية التي عرفها المغرب منذ الاستقلال. وقد شكّلت هذه الكلية، منذ نشأتها، فضاءً علميًا مرجعيًا في مجال العلوم الإنسانية والاجتماعية، ومنبرًا للفكر النقدي والحوار الأكاديمي.
لقد تمّ إحداث كلية الآداب والعلوم الإنسانية بفاس سنة 1963م في سياق وطني اتسم بالسعي لبناء الدولة المغربية الحديثة على أسس متينة بُعَيد الاستقلال، وفي إطار توسيع قاعدة التعليم العالي وتوطينه في مختلف جهات المملكة.
وكان الهدف من إنشاء هذه المؤسسة الجامعية تكوين أطر عليا متخصصة في مجالات الآداب والعلوم الإنسانية والاجتماعية قادرة على الإسهام في تحديث الإدارة، وتأطير المجتمع، وترسيخ الهوية الثقافية والفكرية الوطنية.
كما شكّل اختيار مدينة فاس لاحتضان هذه الكلية خيارًا ذا دلالة حضارية وعلمية عميقة بالنظر إلى مكانة المدينة التاريخية باعتبارها الحاضرة العلمية للمغرب وموطن جامعة القرويين. ومن هذا العمق الرمزي، استمدت الكلية مشروعها الأكاديمي حيث سعت منذ نشأتها إلى الجمع بين الأصالة والتجديد، وبين التراث الفكري العربي الإسلامي والمناهج والنظريات الحديثة في البحث والدراسة.
ومع إحداث جامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس سنة 1975، تمّ إدماج كلية الآداب والعلوم الإنسانية ظهر المهراز ضمن هياكل هذه الجامعة، الأمر الذي منحها إشعاعًا مؤسساتيًا أوسع، ورسّخ مكانتها كقطب أساسي للتكوين والبحث في العلوم الإنسانية على صعيد الجهة وعلى الصعيد الوطني.
التطوير البنيوي والتحديث البيداغوجي
شكّل التطوير البنيوي والتحديث البيداغوجي أهم الرهانات في مسار كلية الآداب والعلوم الإنسانية ظهر المهراز بفاس؛ إذ ارتبط هذا التطوير والتحديث بالسياق العام لإصلاح منظومة التعليم العالي بالمغرب، وبالتحولات المعرفية والبيداغوجية التي عرفتها العلوم الإنسانية والاجتماعية على المستويين الوطني والدولي.
فعلى المستوى البنيوي، عرفت الكلية توسعًا تدريجيًا في هياكلها التنظيمية والإدارية، حيث انتقلت من مؤسسة ذات بنية محدودة في سنواتها الأولى إلى فضاء جامعي متكامل يضم عمادة، ونيابات للعمادة، ومصالح إدارية وبيداغوجية، وأقساما للتكوين والبحث. وقد ساهم هذا التطور في تحسين شروط التدبير الأكاديمي، وتنظيم المسارات الدراسية، وضمان الاستمرارية المؤسسية رغم تزايد أعداد الطلبة وتنوع التخصصات.
أما على المستوى البيداغوجي، فقد مرّت الكلية عبر تاريخها بعدة مراحل. ففي المرحلة الأولى، اعتُمِدَ نظامٌ تقليدي قائم على الشعب الكلاسيكية والتكوين النظري، مع تركيز قوي على المحاضرات والدروس الحضورية. ومع بداية الألفية الثالثة، انخرطت الكلية في مسلسل إصلاح التعليم العالي، لتشرع ابتداءً من الموسم الجامعي 2003 - 2004 في اعتماد نظام إجازة ماستر دكتوراه (LMD)، الذي مثّل تحولاً جذريا في تنظيم التكوين الجامعي.
وقد أتاح هذا النظام إعادة هيكلة الشعب والمسالك، واعتماد مقاربة بيداغوجية قائمة على الوحدات والأرصدة والتقييم المستمر، بما ينسجم مع المعايير الدولية. كما أسهم في تنويع العروض التكوينية، وفي إحداث مسالك جديدة ذات طابع مهني وبحثي، تستجيب لحاجيات الطلبة ومتطلبات سوق الشغل، دون الإخلال بالبعد المعرفي والنقدي الذي يميز العلوم الإنسانية.
وفي سياق مواكبة التحولات المعاصرة، ابتداءً من سنة 2014 بشكل خاص، انخرطت الكلية في اعتماد مقاربة الجودة، وتوسيع التكوينات المهنية، وتشجيع البحث البيني، إلى جانب تعزيز الانفتاح على الرقمنة واستعمال الوسائط التكنولوجية الحديثة في التدريس والتدبير الجامعي. وقد مكّن هذا المسار الإصلاحي المتدرّج من الرفع من جودة التكوين، وتعزيز مكانة الكلية كمؤسسة قادرة على التكيّف مع التحولات المعرفية، مع الحفاظ على رسالتها الأساسية في تكوين الطلبة وتنمية فكرهم النقدي.
ورافق هذا التطور والتحول تحديثٌ لطرق التدريس وأساليب التأطير، وذلك من خلال إدماج الأعمال الموجهة، والبحوث الفردية والجماعية، وتشجيع الطلبة على تنمية مهارات التحليل والكتابة الأكاديمية والتفكير النقدي. كما رافقه انفتاحٌ متزايد على التقنيات الرقمية، خاصة ما يتعلق باستعمال المنصات الإلكترونية، وتدبير الامتحانات، وتيسير الولوج إلى الموارد العلمية.
ومثلت سنة 2025 محطة مفصلية في مسار التحديث البيداغوجي بالكلية طبعها تكثيف الجهود الرامية إلى ترسيخ نموذج جامعي قائم على الجودة والابتكار وتعزيز إشعاع البحث العلمي. فقد تواصل العمل على ملاءمة عروض التكوين مع التحولات المعرفية والمجتمعية، وذلك من خلال مراجعة الهندسة البيداغوجية للمسالك، وتحيين البرامج والملفات الوصفية للوحدات، وتقوية البعد التطبيقي والمهني في عدد من التكوينات، مع الحفاظ على العمق النظري والنقدي الذي يميز العلوم الإنسانية.
وعلى مستوى التدبير، شهدت هذه المرحلة تعزيز مسارات الرقمنة الإدارية والبيداغوجية من خلال تطوير المنصات الرقمية، وتحسين تدبير الامتحانات، وتسهيل ولوج الطلبة والباحثين إلى الموارد العلمية. كما تزايد الاهتمام بالحكامة الجامعية، وبربط التكوين بالبحث، وبتشجيع المقاربات البينية التي تستجيب للتحديات الراهنة من قبيل التحول الرقمي، والتنمية الشاملة، والإعلام، والهوية الثقافية.
وتتوزع التكوينات الأكاديمية بالكلية على مجموعة من الشعب والمسالك، من بينها شعب اللغات والآداب (العربية، الفرنسية، الإنجليزية، الإسبانية، الألمانية)، وشعب العلوم الإنسانية كالتاريخ والحضارة، والجغرافيا، والفلسفة، وعلم الاجتماع، وعلم النفس، والدراسات الإسلامية. وتؤطر هذه الشعب التكوين والبحث في جميع الأسلاك من إجازة وماستر ودكتوراه في إطار مسالك وتكوينات تستجيب لحاجات الطلبة ولمتطلبات المجتمع.
البحث العلمي والإشعاع الثقافي
يُشكّل البحث العلمي أحد الركائز الأساسية التي قامت عليها كلية الآداب والعلوم الإنسانية ظهر المهراز بفاس باعتباره المدخل الأساس لإنتاج المعرفة، وتطوير التكوين الجامعي، وتعزيز إشعاع المؤسسة داخل محيطها الوطني والدولي. وقد حرصت الكلية منذ مراحلها الأولى على إرساء بنية بحثية متينة قوامها وحدات البحث والمختبرات وفرق البحث التي تغطي مختلف مجالات العلوم الإنسانية والاجتماعية وتُسهم في تأطير الباحثين في سلك الدكتوراه.
وتحتضن المؤسسة حاليا عددا من المختبرات المتخصصة في الدراسات اللغوية والأدبية والمصطلحية والديداكتيكية والثقافية، وفي التاريخ والحضارة، والجغرافيا، والفلسفة، وعلم الاجتماع، وعلم النفس، والفكر الإسلامي. وتقوم بنيات البحث هذه بتأطير رسائل وأطروحات وأبحاث أكاديمية، كما تنظم ندوات ومؤتمرات علمية وطنية ودولية، فضلا عن تكوينات وورشات لفائدة الطلبة الباحثين.
وقد احتضنت رحاب كلية الآداب والعلوم الإنسانية ظهر المهراز، منذ نشأتها وإلى اليوم، سلسلة من الندوات والمؤتمرات واللقاءات العلمية والفكرية والأيام الدراسية، بمشاركة نخبة من الباحثين والمفكرين المغاربة والأجانب، مما عزّز إشعاعها العلمي والثقافي وجعلها على الدوام فضاء للحوار والعلم والمعرفة وتبادل التجارب والخبرات.
ويتخرج من الكلية كل سنة آلاف الأطر الذين يلتحقون بمختلف القطاعات الحيوية من تعليم وثقافة وإعلام وإدارة وعمل مدني. كما كانت الكلية وما زالت مشتلاً للنخب الفكرية والعلمية، ورافعة أساسية للتنمية البشرية والثقافية على المستويين الجهوي والوطني. ويشهد على ذلك انتظام النشر العلمي بالمؤسسة، سواء من خلال مؤلفات جماعية أو فردية أو من خلال المجلات العلمية المحكمة التي تُصدرها المؤسسة أو بنيات البحث الموطَّنة بها.
وتحتل مجلة كلية الآداب والعلوم الإنسانية ظهر المهراز مكانة مركزية ضمن منشورات المؤسسة والجامعة، باعتبارها مجلة علمية محكّمة تُعنى بنشر الأبحاث الرصينة في مختلف تخصصات العلوم الإنسانية والاجتماعية. كما تشكِّل هذه المجلة فضاءً أكاديمياً لتداول المعرفة العلمية، وللتعريف بالنظريات والمقاربات المستجدة في مختلف العلوم الإنسانية، ولتثمين الإنتاج العلمي للأساتذة والباحثين بما من شأنه أن يسهم في تعزيز إشعاع الكلية وترسيخ حضورها في الوسط الأكاديمي.